أحمد عبد الله أبو زيد العاملي
276
محمد باقر الصدر ( السيرة والمسيرة في حقائق ووثائق )
والصفات على درجة العدالة ، فالمجتهد العادل فقط من حقّه أن يبيّن الأحكام الشرعيّة في ضوء الأدلّة الأربعة ويسمّى بيانه للحكم الشرعي على هذا الأساس ( إفتاء ) . فإن كان لا يوجد في الأمّة إلّا مجتهدٌ عادلٌ واحدٌ وكان هو الذي وقع عليه اختيار الأمّة وأسندت إليه مهمّة الحكم ، فقد اجتمعت عليه مهمّة الحكم ومهمّة الإفتاء معاً . وإن تعدّد المجتهدون العدول : فإن لم يختلفوا في نتائج استنباطهم فلا مشكلة . وإن كان بينهم اختلافٌ في بيان الأحكام الشرعيّة ، وجب أن ينظر إلى طبيعة الحكم المختلف فيه ، فإن كان حكماً يلزم على الدولة أن تتبنّى فيه اجتهاداً معيّناً وتجعله الاجتهاد السائد في المجتمع الإسلامي كالأحكام التي تتّصل بمجالات السياسة والاقتصاد والجهاد ، فإنّ على الحاكم إمّا أن يكون مجتهداً أو يختار اجتهاداً من تلك الاجتهادات ويتبنّاه لأنّ هذا الانتخاب والتبنّي لاجتهاد معيّن داخلٌ في رعاية شؤون الأمّة ومن الواجبات الشرعيّة على الحاكم ، غير أنّ تبنّي الدولة لاجتهاد معيّن لا يعني منع المجتهدين المخالفين لذلك الاجتهاد من استنباطهم أو إبداء آرائهم وإنّما يعني اختصاص ذلك الاجتهاد المختار بالعمل والتنفيذ . أمّا إذا كان الحكم الذي اختلفت فيه وجهات نظر المجتهدين من الأحكام التي لا يجب على الدولة توحيد الاجتهاد فيها عمليّاً ولا يضرُّ بكيان الأمّة والمجتمع اختلاف الأفراد في سلوكهم طبقاً لاختلاف المجتهدين في آرائهم ، فلا يجوز للدولة والحالة هذه أن تتبنّى اجتهاداً معيّناً بل توكل كلّ مسلم إلى رأي مقلّده الخاص أو رأيه إن كان مجتهداً . 2 - القضاء وتعيين القضاة : القضاء في نظر الإسلام لونٌ خاصٌّ من الحكم لأنّه رعاية لشؤون الأمّة لدى وقوع المخاصمة ، ولكنّ السائد في لسان الشريعة هو التعبير عنه بالقضاء وعمّن يباشره بالقاضي لا بالحكم والحاكم . غير أنّ حقّ القضاء لا يثبت للحاكم بمجرّد كونه حاكماً بل يثبت لمن نصّت عليه الشريعة نصّاً خاصّاً كالقضاة الذين كان يعيّنهم المعصوم ( ع ) في زمانه ، أو نصّاً عامّاً كما هو الحال في المجتهد العادل بصورة عامّة ، فكلُّ مجتهد عادل يتمتّع بحقّ ممارسة القضاء . ويستمدُّ القاضي في المجتمع الإسلامي هذا الحقّ من نصوص الشريعة التي دلّت على جعل هذا الحقّ لكلّ مجتهد عادل وليس من جهاز الحكم . ومما يتّصل بذلك : أ - لا يجوز للدولة أن تمنح حقّ القضاء لغير المجتهد العادل الذي ثبت له هذا الحقُّ في الإسلام ، كما لا يجوز لها أن تمنع مجتهداً من ممارسة هذا الحقّ بل يجب عليها إمضاء قضائه وتنفيذه . ب - يجب على الدولة توفير المجتهدين العدول لممارسة القضاء بالدرجة التي تسدُّ احتياج الأمّة في قضاياها وخصوماتها لأنّ ذلك يندرج ضمن الرعاية الواجبة لشؤون الأمّة . ج - إذا تعدّد المجتهدون العدول ووقع الاختلاف في أقضيتهم فلذلك صورتان : إحداهما : أن يكون مردُّ الاختلاف بينهم إلى الاختلاف في استنباط الأحكام الشرعيّة . والصورة الثانية : أنّ الاختلاف بسبب التطبيق ، فإن كان اختلاف الأقضية بسبب اختلاف الاجتهاد وكانت مصلحة الأمّة تتطلّب إقامة القضاء على حكمٍ شرعيٍّ معيّن ، كان على الحاكم أن يتبنّى اجتهاداً معيّناً ويفرض على جميع المجتهدين العدول أن يقضوا على أساس ذلك الاجتهاد . فمن كان منهم مصوّباً لذلك الاجتهاد قضى طبقاً لرأيه ، ومن كان منهم مخالفاً قضى بالوكالة عن المجتهد الذي يرتئي نفس الاجتهاد المتبنّى للدولة . وهذا التبنّي يكون واجباً على الحاكم لأنّه من شؤون الرعاية الواجبة للأمّة . أمّا إذا كان اختلاف الأقضية لا يضرُّ بنظام المجتمع واستقراره فيجب أن يعطي لكل مجتهد حرية